جريمة النشر الإلكتروني وفق منظور قانون العقوبات العراقي

ضمن سلسلة المقالات القانونية التي يقدمها موقع قسم الشؤون القانونية في رئاسة جامعة كربلاء للفائدة العامة للأقسام والشعب الادارية والقانونية والمالية والتدقيقية والرقابية وللمنتسبين تدريسيين وموظفين.

جريمة النشر الإلكتروني وفق منظور قانون العقوبات العراقي

المقدمة.

شهد العالم بشكل عام والبلدان العربية بشكل خاص خلال العقدين الأخيرين طفرة نوعية في تكنولوجية المعلوماتية بشكل مهول تمثلت في شيوع استخدام شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي كمنابر للنشر والتعبير. ورغم ما وفرته هذه الوسائل من سرعة في إيصال المعلومات وتبادل الأفكار، إلا أنها في الوقت نفسه أصبحت أداة لنشر الأخبار الكاذبة، والإساءة إلى الآخرين، وانتهاك الخصوصية، والتحريض على الكراهية والعنف وخرجت عن الهدف الذي اسسته تلك المنابر والمنصات في نشر المعرفه العلمية والاختراعات وبل وتم استخدامها واستغلالها بوسائل بشعة تسببت في نشر العديد من الاخبار المظللة والمقاطع الفيديوية المسيئة والخادشة للحياء.
وفي العراق، لم يكن قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 بصيغته الأصلية يتوقع هذا التطور التقني المفاجئ والذي اجتاح كل دول العالم والذي اوجد لنا جرائم من نوع خاص ونوع جديد لم يتم تنظيمه في أطر قانونية تتماشى مع ما انتهجه القانون سابقا بل ظهرت اساليب جديده تقع تحت طائلة التجريم كونها قد احدثت اضرارا اجتماعية او سائل السمعه الشخصيه واساءة الى مرفق عام او اساءة لامن وطني او اساءة الى كل ما من شانه ان يحدث ضررا بشخص من اشخاص او المصلحة العامة، مما أوجد فراغاً تشريعياً في معالجة الأفعال المجرَّمة عند ارتكابها بوسائل إلكترونية لم يتضمنها القانون كونها قد ظهرت بعد ترسيخ القواعد القانونية السابقة بجرائم جديدة لم يتطرق لها القانون او لم تسن لها تشريعات محددة كونها برزت في وقت مبكر حيث تزامن مع العولمة والامن السبراني والبرامج الالكترونية والخوارزميات الحديثة. ورغم صدور بعض التعليمات والمحاولات التشريعية لمعالجة تلك الخروقات والجرائم وما يتم نشره وتداوله في وسائل التواصل الاجتماعي عبر قنواتها العديدة، لا يزال الموضوع بحاجة إلى تنظيم قانوني واضح وتحديد لكل جريمة الكترونية بحسب نوعها وبحسب طبيعتها وبحسب الفئه التي تستهدفها سواء كانت استهدفات جمعية كشعب امن دوله مؤسسات او تستهدف اشخاص بعينهم تعرضهم الاساءة والتشهير او المساومة والابتزاز والامثلة كثيرة وما نشر مؤخرا في وسائل التواصل الاجتماعي ولا نريد ان نذكر من تلك الامثلة كونها معلنة ومرئية امام الجمهور قد اطلع عليها من تابعو تلك المنشورات او التسجيلات ومن له ولع في متابعة تلك الوسائل للتواصل الاجتماعي بكل فئاتها.

أولاً: الأساس القانوني لجريمة النشر الإلكتروني في المنصات الالكترونية وبرامج التواصل الاجتماعي

1. قانون العقوبات العراقي

لم يرد في القانون نص صريح يجرم “النشر الإلكتروني” كجريمة مستقلة، لكن المشرع أوجد أحكاماً عامة يمكن تطبيقها على النشر عبر الإنترنت وما تم تطبيقه حديثا مكافحة برامج النشر الهابطة ومكافحة ما يسمى بالمحتوى الهابط بكل صوره.

على سبيل المثال:

المادة (403) التي تعاقب على نشر أو توزيع كتابات أو صور مخلة بالحياء من شان ان تخدش الحياء المجتمعي.

المادة (433) التي تجرم القذف واتساب والتهجم على شخص ما او على مؤسسة او على امن وطني او دولة او شخص من الاشخاص،
والمادة (434) التي تجرم السب، وهي تنطبق إذا تمت هذه الأفعال عبر وسائل إلكترونية يتم توثيقها ومعرفة طبيعة تلك العبارات او الالفاظ المستخدمة عن طريق انتداب خبراء اذا كانت تلك العبارات الالفاظ قد تشكل تحديدا او غيره تهديد او تخل بالحياه او تخدش حياه انسان ولنا امثله عمليه على هذا الموضوع حينما تطلب جهاز انتداب خبير لمعرفه تلك العبارات يكون مختص في علوم اللغة العربية او مختص في الجنب التي يتم اختيارها لتحليل تلك الحوارات والعبارات الواردة.

 

2. القوانين المكملة اوالملحقة بالتشريع الاصلي الذي يجب ان تتماشى مع ما يستجد من جرائم جديدة وبذات الجرائم الالكتروني الواقعة وكما اسلفنا على مؤسسات او اشخاص او دول

حاول المشرع العراقي سد النقص عبر مشاريع قوانين مثل “قانون جرائم المعلوماتية” الذي لم يُقر حتى الآن بصورة نهائية، لكنه يعكس إدراك المشرع لخطورة النشر الإلكتروني غير المنضبط الذي يجب ان تضع له اسس ومبادئ منضبطة تحت رقابة توصف بالمشددة وانما تحت رقابة بالغة الدقة لان المحتوى الذي يبرز الى العيان يطلع عليه كل فئات المجتمع وبمختلف الاعمار ومن شانه ان يضع فلسفة جديدة او يضفي مبادئ طارئة حديثة قد تتنافى مع مجتمعنا ومع المبادئ الاسلامية للدين الاسلامي الحنيف.

 

ثانياً: صور جريمة النشر الإلكتروني

1. النشر الضار بسمعة الأفراد

القذف والتشهير والسب عبر منصات التواصل الاجتماعي أو المواقع الإلكترونية او حتى الاتصال وفق وسائل الاتصالات الواتساب وارسال رسالة جديدة وانشاء جروبات او عمل مجاميع بعيدة عن اخذ الموافقات في التصريح او الاعلان عن افكار ومبادئ دخيلة وانتقاد حالات دون ادلة او عدم اخذ موافقات سابقة لنشر تلك الادلة.

قد يترتب على ذلك مسؤولية جزائية ومدنية (تعويض الضرر).

 

2. النشر المخل بالآداب العامة

مثل نشر صور أو مقاطع فيديو مخلة بالحياء، أو ترويج مواد إباحية شان تهدم سلوك المجتمعي وان تؤثر على اجيال جديده وان تخلق جرائم مستقبلية وقنابل موقوتة كونها قد وصل الحد بها الى انتاج سياسات لابعاد المجتمع عن صبغته الاسلامية واضافة برامج اباحية شانها ان تؤثر على السلوك المجتمعي وبالذات على رصيد الدولة وبنات المستقبل وهم فئة الشباب والمراهقين.

هنا تطبق المادة (403) عقوبات الحبس والغرامة.

 

3. النشر المهدد للأمن والنظام العام وين الدولة بالتصميم وكيانها وكيان مؤسسات الدولة

كإثارة النعرات الطائفية والعنصريه والحث على الجريمة، نشر أخبار كاذبة تمس استقرار الدولة، أو التحريض على العنف.

يمكن أن تندرج هذه الأفعال تحت المواد الخاصة بالتحريض أو الجرائم الماسة بأمن الدولة.

 

ثالثاً: التحديات العملية

قصور التشريع: عدم وجود نصوص محددة حول النشر الإلكتروني يجعل القضاء مضطراً لاجتهادات قد تختلف من محكمة لأخرى اريد حراج الى ان يتم توحيد تلك القواعد القانونيه التي تتناغم مع الجرام الالكترونية الحديثة وتنسجم مع الواقع المعاصر الحديث ويكون توحيد لرؤى المحاكم في اتخاذ التدابير اللازمه لردع وزجر المخالفين وعلى حد سواء بتنظيم قواعد سلوك اجتماعية حديثة وعقوبات واضحة وتحديد مواد الانتهاك بحسب رؤية المشرع لكل حالة على حدة وتحديد المادة القانونية التي تنطبق عليها وهذا يحتاج جهد مجتمع كبير وقضائي في مواكبه التطور الالكتروني في مكافحة الجرئم.

إثبات الجريمة: يتطلب الأمر وسائل تقنية دقيقة للتحقق من هوية الناشر ومصدر المحتوى قد يكلف معرفة الجاني بتنسيق عالي مع اجهزة امنية وكذلك وجود فرق متخصصة في الامور السيبرانية والجرائم الالكترونية واليات حديثة لتتبع مصادر تلك المنشورات التي من شانها ان تحدث ضررا جسيما في البنية المجتمعية او تشكل تهديدا لامن الدولة وانه يجب احداث توازن عادل بين ما اقر الدستور من حرية التعبير عن الراي وما يشكل في منظور القضاء جرائم تضر بمصلحة امن الدولة او المواطن او انتهاك حريته او شخصيته.

التوازن مع حرية التعبير: يجب التمييز بين النشر المجرَّم والنشر الذي يدخل ضمن حرية التعبير التي كفلها الدستور العراقي (المادة 38) الدستور العراقي كان واضح عنه صريحا في الماده 38 والتي اباحت واجازت حرية التعبير عن الراي بكل حرية وحيادية وبعيدة عن الاضرار بالمصلحة العامة وكفى وهذا الحق قد كفله الدستور وهنا يكون صراع بينما مااقره الدستور من حرية التعبير عن الراي وما قد يعتبر من باب الاساءة في النشر الى الدولة او منجزاتها او الى المواطنين او المؤسسات العامة.

الخاتمة

إن جريمة النشر الإلكتروني في العراق ما زالت تُعالَج بنصوص عامة في قانون العقوبات، مع غياب تشريع خاص يعالج الجرائم المعلوماتية بصورة متكاملة. ولذا، تبرز الحاجة الملحة إلى إقرار قانون شامل يوازن بين حماية الحقوق والحريات من جهة وتطبيق نص المادة 38 من جهة حرية التعبير عن الراي وكذلك ضمان عدم إساءة استخدام وسائل النشر الإلكتروني من جهة أخرى. كما أن تفعيل التعاون بين السلطات القضائية والأمنية وخبراء التقنية المعلوماتيه يُعدّ ضرورياً لضمان فعالية تطبيق القانون لكي يتم توحيد قرارات المحاكم وكذلك ان تكون النصوص القانونية التي تجهيز النشر والتي تجرب النشر في بودقة واحدة وفق أطر صحيحة موثقة معتمدة ومكشوفة الى الجميع حيث يكون كل من يطلع عليها يعرف ماذا يدخل في باب الماده 38 من الدستور التي تجيز التعبير عن الراي وما يخرج عن التعبير عن الراي ويتحول الى اساءة مجرمة وفق قواعد قانونية معدة واضحة وصريحة ومتناغمة مع الدستور وما كفله من حرية التعبير عن الراي وكذلك ما يدخل تحت طائلة التجريم وفي هذه المقالة المقتضبة احببنا ان نضيء على ما القارات في القواعد القانونية وما اكده الواقع المعاصر ونطمح ان يتولى المشرع وضع قواعد قانونية واضحة لموضوع النشر وما يجاز نشره وما يحضر نشره وكذلك تحديد العقوبات التي تلتزم بها جميع المحاكم وعدم الخروج عنها بتفسيرات قد تكون مدعاة لصدور احكام متناقضة من المحاكم حول ما اعتبار مع اعتباره مجرما من تلك التصرفات او ما لا يقع تحت نطاق التجريم كحريه التعبير عن الراي الذي كفلته وكما اسلفنا الماده 38 من الدستور العراقي.

بقلم المشاور القانوني الاقدم محمد حسين ضياء الهاشمي

قسم الشؤون القانونية /مسؤول شعبه العقود والكفالات